محمد بن زكريا الرازي

6

الحاوي في الطب

وقبيل تفكك الدولة العباسية كان العلماء العرب ، ومنهم الأطباء ، قد حققوا آخر منجزاتهم العلمية ، التطبيقية والنظرية ، إلا أن تقديرهم للمراجع العلمية والفلسفية القديمة أيّا كانت وبلا محاولة للتمييز بينها كان من الأسباب التي جعلت شعاع تقدمهم العلمي يخبو ، شأنهم في ذلك شأن أوروبا في العصور الوسطى . وكانت أوروبا إبان النهضة العلمية في الشرق ما تزال ترسف في دياجير الجهالة ، وتغطّ في نوء ثقيل نتيجة للعصور المظلمة التي أطبقت عليها ولكن بعض مراكزها العلمية كانت تحتفظ بقليل من المخطوطات الكلاسيكية ، بينها نزر يسير من المخطوطات الكيماوية والمخطوطات التي تحوي وصفات طبية . ومع خبو شعاع التقدم العلمي في الشرق كانت بعض الأقاليم والمدن الأوروبية تتململ من رقادها بالقرب على بصيص شعاع صغير من نور . ففي « ساليرنو » من « نابولي » ، كانت هنالك مدرسة طبية تدرس بعض المراجع الطبية الكلاسيكية . ومع قدوم الطبيب العربي « قسطنطين » الإفريقي ، القرطاجي المولد ، إلى هذه المدرسة وترجمته للمخطوطات الطبية العربية واليونانية ، تطورت أساليب تدريس العلوم الطبية في هذه المدرسة وغدا نهجها الاعتماد على الملاحظة الدقيقة أكثر من الاعتماد على المراجع الطبية القديمة ونتيجة لاضطهاد الحكام في إسبانيا للعلماء والأطباء العرب أو المستعربين ، لجأ هؤلاء إلى جامعة « مونبليه » بعد أن أصبحت مناهجها تدرس العلوم الطبية الأبقراطية وطب ابن سينا ، من تخريج العديد من الأطباء والمترجمين والكتاب والمعلمين الأكفاء . ظلّ العرب طوال قرنين بعد بدء الفتوحات الإسلامية سدنة الطب وسادته . وبعد الغزو المغولي للإمبراطورية الإسلامية تدنى مستوى الطب نتيجة لتفكك الدولة ، وآل إلى تدهور دام ستة قرون . وقد عرف من أطباء العرب في ذلك العصر الذهبي للطب أبو بكر الرازي وابن سينا اللذان لا تزال صورهما تزين جدران القاعة الكبرى في كلية الطب بجامعة باريس . وقد كان لمؤلفات الرازي ومآثره العلمية أثر كبير في اتساع شهرته كواحد من أعظم مفكري العصور الوسطى وأحذق أطبائها ، ويعتبر كتابه « الحاوي في الطب » - الذي نقدم له - من أجل كتب الرازي وأعظمها في صناعة الطب . وهو كتاب ضخم شامل جمع فيه الرازي بين طب الهند وطب اليونان وأضاف إليهما الكثير من تجاربه وملاحظاته : ( كالسكتة ، الفالج ، وأوجاع العصب ، واسترخائه ، والصرع ، والكابوس ، والتشنج والكزاز ، وأمراض العيون والأنف والأذن ، ويسمّي أعراض كل مرض ويصف العلاج الموافق له . . . ) .